قصة الطبيب المسلم العظيم ابن النفيس

 

قصة الطبيب المسلم العظيم، علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، المعروف بـابن النفيس

دعني آخذك في رحلة عبر الزمن، إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها، وفي دمشق العريقة ولد نجم من نجوم الطب، هو ابن النفيس (1210-1288 م). كان ذكاءه خارقاً منذ صغره  فقط حفظ القران الكريم كاملا فى صغرة ، وكان نهم وشغوف وعاشق للعلم لا يضاهيه شيء، فقرر أن يسير فى  طريق الطب لكى يخفف عن الناس الامهم و معاناتهم  مع المرض ، وفي فترة التعلم، لم يكن مجرد طالب يحفظ المعلومات، بل كان يتدبر و يحلل ويناقش ويفكك كل ما يقع بين يديه كاى عالم او مستكشف.

ابن النفيس و رحلة العلم والبحث

بدأ ابن النفيس مسيرنه الطبية الحافلة بالانجازات المبهرة في "البيمارستان النوري"وهويقع في قلب مدينة دمشق العظيمة، ويعد واحداً من ثلاثة بيمارستانات اشتهرت بها مدينة دمشق. قام ببنائه الملك العادل نور الدين زنكي الشهيد، وجعله مسشفى ويد رحيمه لعلاج المساكين والفقراء، ثم صار أحدَ أشهر المشافي ومدارس الطبِّ والصيدلة في البلاد الإسلامية و العالم، وهو أول مستشفى فى العالم يبدأ في الاحتفاظ  وارشفت السجلات الطبية للمرضى. . تعلم ابن النفيس على يد كبار الأطباء مثل ابن الدخوار، ولكنه لم يكتفِ بما تعلمه، بل كان لديه شغف عميق للتاكد من المعلومات الطبية، وتصحيح الأخطاء، خاصة تلك التي وردت في كتب الأطباء اليونانيين القدماء مثل جالينوس، الذي كانت نظرياته تُعتبر حقائق مُسلَّم بها.

كانت الجرأة العلمية هي سمة ابن النفيس الأبرز. اذ انه لم يخشَ أن يتحدى الأفكار السائدة الخاطئة فى زمانه.

ابن النفيس و الاكتشاف الأعظم: الدورة الدموية الصغرى

تخيَّل عالماً طبياً لقرون طويلة يرى أن الدم ينتقل من الجهة اليمنى للقلب إلى الجهة اليسرى عبر ثقوب وهمية في الحاجز الذي يفصل بينهما! هذا ما كان يعتقده جالينوس، وهذا ما كان يدرّسه الأطباء.
لكن ابن النفيس،من خلال تامله وتدبرة وحدسه الثاقب وعقله المتفتح، لم يقتنع بهذا الامر و هذه الفكرة. من غير المنطقى ان يكون هناك ثقوب غير مرئية فى الحاجز القلبى من هنا، أتى اكتشافه الذي غيّر التوجه الطبى إلى الأبد.
من خلال دراساته وأبحاثه، وخاصة في كتابه "شرح تشريح القانون"، وهو شرح لكتاب القانون في الطب لابن سينا، وصف ابن النفيس بوضوح لا لبس فيه الدورة الدموية الصغرى أو الدورة الدموية الرئوية.
قال إن الدم لا ينتقل عبر ثقوب في الحاجز القلبي، بل إنه يذهب من البطين الأيمن إلى الشريان الرئوي، ثم إلى الرئتين، وهناك يمتزج بالهواء ليصبح نقياً، وبعد ذلك يعود عبر الوريد الرئوي إلى البطين الأيسر، تمهيداً لضخه إلى جميع أنحاء الجسم.
هذا الوصف العلمى الرائع و الدقيق كان ثورة حقيقية في عالم الطب، وسبق به الأطباء الأوروبيين بمئات السنين.

ابن النفيس و إنجازات أخرى لا تقل أهمية

ابن النفيس لم يكن طبيباً للجسم فقط، بل كان عالماً موسوعياً، ومن أهم إنجازاته الأخرى:
 * مؤلفاته الطبية: كتب العديد من المؤلفات التي كانت مرجعاً أساسياً للأطباء، مثل "الموجز في الطب"، و**"الشامل في الصناعة الطبية"** الذي كان موسوعة طبية ضخمة تهدف إلى تلخيص كل المعرفة الطبية.
 * علم الفسيولوجيا: كان أول من وضع أساسيات علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) الحديث، حيث لم يكتفِ بوصف الأعضاء، بل اهتم بوظائفها وكيف تعمل.
 * فلسفة الطب: كان له نظرة فلسفية للطب، حيث كان يرى أن الطبيب يجب أن يعالج المريض ككل، وليس المرض فقط.
في نهاية حياته، كان ابن النفيس قد انتقل إلى القاهرة، وأصبح طبيباً خاصاً للسلطان الظاهر بيبرس، وظل يمارس الطب حتى آخر لحظة في حياته. وعندما وافته المنية، أوصى بوقف جميع كتبه وأمواله على البيمارستان المنصوري بالقاهرة، ليكمل بذلك مسيرة العطاء التي بدأها في حياته.
إن قصة ابن النفيس هي قصة شغف بالعلم، وجرأة في مواجهة الأخطاء، وإصرار على البحث عن الحقيقة، حتى لو كانت ضد ما هو سائد ومعروف. حقاً، إنه عالم غير مجرى التاريخ بفكره الثاقب واكتشافه العظيم.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

 رحلة عبر الزمن: تاريخ الطب العربي القديم

الطب القديم والسرطان: رحلة إلى الشفاء من خلال التقنيات الطبيعية

رحلة مذهلة إلى عالم "الأيورفيدا